بالنسبة للعديد من الأطباء، وطلاب الطب، والعاملين في القطاع الصحي في دولة الإمارات العربية المتحدة، قد يبدو نشر أول ورقة بحثية طبية هدفًا صعب المنال. فقد تكون لديك حالة سريرية مميزة، أو فكرة بحثية واعدة، أو حتى بيانات قمت بجمعها بالفعل، لكنك لا تعرف كيف تحولها إلى دراسة علمية منشورة. كما أن التساؤلات المتعلقة بتصميم الدراسة، والموافقات الأخلاقية، والتحليل الإحصائي، واختيار المجلة العلمية المناسبة تجعل رحلة النشر تبدو أكثر تعقيدًا مما هي عليه في الواقع.
والحقيقة أن جميع الباحثين الذين لديهم أبحاث طبية منشورة اليوم بدأوا بفكرة ورغبة حقيقية في الانطلاق. ولم يكن الفارق بينهم وبين غيرهم امتلاك مهارات استثنائية في الكتابة أو سنوات طويلة من الخبرة الأكاديمية، بل كان فهمهم لمراحل النشر العلمي والتعامل معها خطوة بخطوة.
سواء كان هدفك هو تعزيز سيرتك الذاتية، أو زيادة فرص قبولك في برامج التخصصات الطبية او الزمالة، أو المساهمة في الطب المبني على الدليل، أو بدء مسيرة أكاديمية، فإن هذا الدليل سيساعدك على معرفة نقطة البداية الصحيحة.
ابدأ بسؤال بحثي يستحق الإجابة
كل ورقة بحثية ناجحة تبدأ بسؤال بحثي واضح. وبدلًا من اختيار موضوع واسع مثل مرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم، حاول التركيز على مشكلة محددة لاحظتها أثناء ممارستك الاكلينيكية أو خلال دراستك.
فقد تلاحظ، على سبيل المثال، عرضًا طبيّا غير معتاد لدى مرضى السكري، أو نمطًا علاجيًا معينًا لدى المرضى الذين يستخدمون دواءً محددًا لعلاج ارتفاع ضغط الدم، أو تجد فجوة في الدراسات والأوراق البحثية المنشورة حول موضوع معين. وغالبًا ما تكون مثل هذه الملاحظات هي البداية الحقيقية لأبحاث طبية ذات قيمة علمية.
ينبغي أن يكون السؤال البحثي مرتبطًا بالممارسة الطبية، وقابلًا للتطبيق، ويمكن الإجابة عنه بطريقة علمية. واستثمار الوقت في صياغة سؤال بحثي قوي سيوفر عليك الكثير من الوقت والجهد لاحقًا مقارنة بالبدء المباشر في جمع البيانات.
اختر تصميم الدراسة المناسب
بعد تحديد السؤال البحثي، تأتي الخطوة التالية وهي اختيار التصميم العلمي الذي سيجيب عن هذا
السؤال. وهنا يواجه الكثير من الباحثين الجدد أولى التحديات.
يعتمد اختيار تصميم الدراسة بالكامل على طبيعة السؤال الذي ترغب في الإجابة عنه. فإذا كنت تصف حالة سريرية نادرة، فقد يكون تقرير الحالة Report) (Case هو الخيار الأنسب. أما إذا كنت ترغب في معرفة مدى انتشار مرض معين داخل فئة سكانية محددة، فقد تكون الدراسة المقطعية Study) (Cross-sectional أكثر ملاءمة. وفي المقابل، يفضل الباحثون الذين يسعون إلى تجميع وتحليل الأدلة العلمية المنشورة إجراء المراجعات المنهجية Systematic)
.(Meta-analysis) التلوي التحليل أو (Reviews
ولا يوجد تصميم دراسة يُعتبر الأفضل في جميع الحالات، وإنما الأفضل هو التصميم الذي يجيب عن سؤالك البحثي بأكبر قدر من الدقة.
اطّلع على الأدلة العلمية المنشورة
قبل البدء في جمع البيانات، من الضروري معرفة ما نُشر سابقًا حول موضوعك.
فالاطلاع على الدراسات السابقة يساعدك على اكتشاف الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها بعد، وفهم الأدلة العلمية الحالية، وتجنب تكرار أبحاث سبق تنفيذها. كما يمنحك فكرة واضحة عن كيفية كتابة الأبحاث العلمية وتنظيمها بطريقة احترافية.
بدلًا من قراءة عشرات المقالات بشكل عشوائي، ركّز على الدراسات الطبية الحديثة وعالية الجودة التي ترتبط مباشرة بسؤالك البحثي.
فكّر في الموافقات الأخلاقية منذ البداية
يقع بعض الباحثين في خطأ تأجيل التفكير في الموافقات الأخلاقية إلى ما بعد بدء الدراسة، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى مشكلات يصعب تداركها لاحقًا.
وبحسب طبيعة مشروعك البحثي، قد تحتاج إلى الحصول على موافقة لجنة أخلاقيات البحث العلمي أو مجلس المراجعة المؤسسية (IRB) قبل جمع أي بيانات خاصة بالمرضى. وتختلف المتطلبات من مؤسسة إلى أخرى ومستشفى الى اخرى ومن تصميم دراسة إلى آخر، لذلك من المهم التأكد من هذه المتطلبات خلال مرحلة التخطيط.
إن الاهتمام بالجوانب الأخلاقية منذ البداية يحمي بحثك ويحفظ حقوق المشاركين فيه.
اجمع بياناتك بعناية
حتى أفضل سؤال بحثي لن يؤدي إلى نتائج موثوقة إذا كانت البيانات التي يعتمد عليها غير دقيقة.
سواء كانت بياناتك مأخوذة من السجلات الطبية الإلكترونية، أو استبيانات المرضى، أو نتائج المختبرات، أو قواعد البيانات الوطنية، فإن الدقة في جمعها أمر لا يمكن التهاون فيه. فقد تتحول الأخطاء الصغيرة أثناء جمع البيانات إلى مشكلات كبيرة عند تحليل النتائج، وقد تؤثر في مصداقية الدراسة بأكملها.
ووضع خطة واضحة لجمع البيانات قبل بدء الدراسة يجعل بقية مراحل البحث أكثر سهولة وتنظيمًا.
لا تقلل من أهمية التحليل الإحصائي Medical Biostatistial Analysis
ينظر كثير من الباحثين إلى الإحصاء الحيوي باعتباره الجزء الأكثر صعوبة في البحث العلمي والطبي، بينما هو في الحقيقة مجرد أداة تساعد على الإجابة عن السؤال البحثي بطريقة علمية وموضوعية.
قد يؤدي اختيار أساليب إحصائية غير مناسبة إلى نتائج مضللة أو إلى انتقادات من المحكمين أثناء مراجعة البحث. ولهذا السبب، تحرص العديد من الفرق البحثية الناجحة على إشراك اختصاصي في الإحصاء الطبي منذ مرحلة التخطيط، بدلًا من الانتظار حتى الانتهاء من جمع البيانات.
فالتخطيط الإحصائي السليم يبدأ قبل إجراء أول تحليل بكثير.
اكتب البحث الطبي جزءًا بعد جزء
تصبح كتابة الورقة البحثية أقل تعقيدًا عندما تفهم بنيتها الأساسية. تعتمد معظم المجلات الطبية على نموذج IMRAD الذي يتكون من:
• المقدمة :(Introduction) توضح سبب إجراء الدراسة وأهميتها.
• المنهجية :(Methods) تشرح بالتفصيل كيفية تنفيذ الدراسة.
• النتائج :(Results) تعرض النتائج كما هي دون تفسير.
• المناقشة :(Discussion) تفسر النتائج وتقارنها بالدراسات السابقة وتوضح أهميتها
العلمية.
ويحاول كثير من الباحثين المبتدئين كتابة البحث الطبي من بدايته حتى نهايته، بينما يفضل العديد من الباحثين ذوي الخبرة البدء بكتابة قسم المنهجية والنتائج أولًا، ثم العودة لاحقًا إلى المقدمة والمناقشة.
اختر المجلة العلمية بعناية
قد يتم رفض بحث علمي مكتوب بإتقان لمجرد أنه أُرسل إلى مجلة غير مناسبة.
لذلك، احرص قبل إرسال البحث على مراجعة نطاق المجلة، وتعليمات المؤلفين، وقواعد الفهرسة التي تتبعها، بالإضافة إلى نوعية الدراسات التي تنشرها باستمرار.
إن اختيار المجلة المناسبة منذ البداية يوفر عليك أشهرًا من التأخير وإعادة إرسال البحث إلى مجلات طبية وعلمية أخرى.
توقّع طلب التعديلات
يعتقد بعض الباحثين الجدد أن تلقي ملاحظات من المحكمين يعني فشل البحث، لكن الواقع أن طلب التعديلات يُعد جزءًا طبيعيًا من عملية النشر العلمي للباحثين.
فالمحكمون يهدفون إلى تحسين جودة الدراسة، وقد يطلبون توضيح بعض النقاط، أو إجراء تحليلات إضافية، أو معالجة ملاحظات منهجية. والاستجابة لهذه الملاحظات بطريقة علمية واحترافية غالبًا ما تزيد من فرص قبول البحث.
وحتى الباحثون أصحاب الخبرة يتلقون طلبات تعديل، بل ويتعرضون أحيانًا لرفض أبحاثهم. لذلك فإن الاستمرار وعدم الاستسلام جزء أساسي من رحلة النشر العلمي للباحثين.
أبرز التحديات التي تواجه الباحثين لأول مرة
يتعرض معظم الباحثين المبتدئين لعقبات متشابهة، مثل اختيار تصميم دراسة غير مناسب، أو إهمال المتطلبات الأخلاقية، أو استخدام أساليب إحصائية غير صحيحة، أو اختيار مجلة لا تتوافق مع موضوع الدراسة، أو إرسال البحث قبل مراجعته بشكل كافٍ.
والخبر الجيد أن معظم هذه المشكلات يمكن تجنبها بالتخطيط السليم والحصول على التوجيه المناسب منذ البداية. فالوقت الذي تستثمره في المراحل الأولى من المشروع غالبًا ما يوفر عليك أشهرًا من التعديلات والتأخير لاحقًا.
أخيرًا
لا يعتمد نشر أول ورقة بحثية طبية على امتلاك مهارات استثنائية في الكتابة أو تحرير بقدر ما يعتمد على اتباع خطوات البحث العلمي بشكل واضح ومنظم. فكل مرحلة، بدءًا من صياغة السؤال البحثي وحتى الرد على ملاحظات المحكمين، تساهم في جودة البحث وفرص قبوله للنشر.
وبالنسبة للأطباء وطلاب الطب في دولة الإمارات، أصبح البحث العلمي اليوم جزءًا مهمًا من التطور المهني والأكاديمي. فوجود أبحاث منشورة يعكس الفضول العلمي، والتفكير النقدي، والالتزام بتطوير الرعاية الصحية المبنية على الدليل. والأهم من ذلك أنه يمثل بداية رحلة بحثية تصبح أكثر سهولة مع كل مشروع جديد.
إذا كنت تفكر في نشر أول بحث لك، فلا تنتظر حتى يصبح كل شيء مثاليًا. ابدأ بسؤال بحثي مهم، واستعن بالفريق المناسب، واتخذ الخطوة الأولى. فجميع الباحثين الناجحين كانوا يومًا ما في المكان الذي تقف فيه الآن.
كيف يمكن لـ اونميد مساعدتك؟
قد يبدو نشر أول ورقة بحثية طبية تحديًا كبيرًا، خاصة إذا كنت توفق بين العمل الاكلينكي أو التدريب في برامج الإقامة أو الدراسة الطبية. ورغم أن كثيرًا من الباحثين يمتلكون فكرة واضحة عما يريدون دراسته، إلا أنهم يحتاجون إلى من يرشدهم لتحويل هذه الفكرة إلى بحث علمي جاهز للنشر.
في اونميد، نقدم الدعم للباحثين والعاملين في القطاع الصحي خلال جميع مراحل البحث العلمي، بما يشمل:
- المساعدة في صياغة السؤال البحثي.
- اختيار تصميم الدراسة الأنسب.
- .(Research Proposals) الأبحاث مقترحات إعداد
- التحليل الإحصائي الحيوي وحساب حجم العينة.
- كتابة وتحرير الأبحاث العلمية والمخطوطات والاوراق البحثية الطبية.
- المساعدة في اختيار المجلة العلمية المناسبة ودعم عملية النشر في المجلات العلمية او الطبية.
- إعداد الردود على ملاحظات المحكمين.
سواء كنت تستعد لنشر أول بحث علمي وطبي أو تعمل على عدة مشاريع بحثية في الوقت نفسه، فإن فريق اونميد يقدم الدعم الذي تحتاجه بما يتناسب مع طبيعة مشروعك واحتياجاتك.